إشترك في الخلاصات
نوفمبر 22

تشريع الانحراف السياسي ..

يخطي من يعتقد أن قرار الأخذ بالمذاهب الفقهية الأربعة في الشأن السعودي , من أجل مراعاة حال المواطن وتوسيع الأفق أمام المجتمعات والأفراد في الدولة السعودية .. كل مافي الأمر أن الانحراف السياسي يحتاج إلى فقه واسع يجمع بداخله أقوال المذاهب المتباعدة والمتضادة في كثيرٍ منها , حتى يتسنى للقائم بأمر المسلمين اختيار ما يحتاج من الفتاوى للمرحلة القادمة ! , فيُبرز لكل مسألة أقوال مشايخها الذين يقولون فيها بما يناسبه , ويغمس من لا تحتاجه منهم هذه المرحلة .. والمشايخ يستجيبون لهذه اللعبة السخيفة !! ورغم أن أقوالهم الفقهية كانت لديهم من قبل , لكننا لا نسمعها إلا إذا احتاجها ولي الأمر ! وبهذه الحيلة التي لا تنطوي على السذّج من الناس , فضلاً عن العلماء الذين هم موطن الفهم والحكمة , تصبح تصرفات الحاكم وقراراته شرعية مهما كانت قوة الانحراف فيها !
وبهذه الحيلة الساذجة أيضاً , أصبح لدى ولي الأمر , كتابٌ مماثل لكتاب الزندقة , الذي جمع فيه أحد علماء السلاطين رخص المذاهب كلها وأهداها إلى الخليفة , ولما سأل الخليفة أحد الأئمة عن رأيه في هذا الكتاب , قال له الإمام بصريح العبارة .. هذا كتاب الزندقة !
حادثة كاوست مثال نموذجي للتدليل على ما نقول .. فقد أعلنت الحكومة السعودية قرار الأخذ بمذاهب الفقه الأربعة , والجامعة في لمساتها الأخيرة , ولما افتتحت الجامعة كانت الحكومة واثقة من مشايخها .. كل واحد منهم قد عرف دوره في هذه المسرحية الهزيلة .. الذين يجيزون سيتكلمون ويصدعون بالحق لا يخافون في الله لومة لائم !! .. والذين لا يجيزون ذلك سيفهمون المطلوب منهم بالتحديد .. السكوت حتى إشعار آخر ! حتى أننا لم ندري أن المفتي على قيد الحياة , حتى أبرزته لنا تصريحات الإيرانيين بتسييس الحج ليرد عليهم !! وكذلك أتبعه بظهور آخر في حرب الحوثيين ليضفي عليها صفة القداسة !! وكأن الجنة ملكٌ له أو لأبيه !! أما عضو هيئة كبار العلماء عبدالله المطلق , فقد أحرجه ظهوره في أحدى الفضائيات , عندما سأله سأل عن حكم الاختلاط ؟ .. فرد الشيخ باقتضاب : تعرفون رأيي في الاختلاط ولا داعي للإحراج !!
هكذا بك سهولة وليونة وطواعية , يتكلم المجيزون ويسكت المحرّمون , وإذا سئلوا في دروسهم ومجالسهم الخاصة لماذا سكتم ؟! قالو نخشى من الفتنة ! وسردوا لك في التحذير من الفتن أحاديث لا يعلم عددها إلا الله !!
بل ولم يقف الأمر عند ذلك , بل استنفرت الحكومة حتى علماء مصر لتمرير ما يريدون , حتى العلامة القرضاوي _ حفظه الله _ والذي كان مغضوباً عليه , أصبح في ليلة وضحاها في مرتبة عالم زائر في هيئة كبار العلماء , حتى تنتهي المهمة ! .. هذا كله في قضية بسيطة جداً , إذاً فالله أعلم كيف سيكون الإستنفار لو كانت القضية من ضمن القضايا الكبرى للدولة كحرب أو مسألة حدودية أو غيرها من المسائل الضخمة لدى الدولة .

هذه الحلقة المفرغة التي يدور فيها مجتمعنا ..أراء فقهية سائلة يقولبها الحاكم في قوالبه التي يحتاجها وتخدم هدفه .. وبالطبع لن يكون هدفه في صالح المواطن التعيس .. لأنه لو كان كذلك لما بقي في السعودية 10 ملايين مواطن لا يملكون مسكن ! ولا كان هناك أعداد هائلة من العاطلين ! ولا كان هناك فقر مدقع في بلد يطفح على بحر من النفط .. ولكن مادام الحاكم وأبناءه والمشايخ وأبنائهم قد بلغوا حظوتهم من الدنيا .. فليذهب الشعب إلى الجحيم ! وكل هذا على الطريقة الإسلامية !! وبمباركة رجال الدين الذين غصت بأولادهم المراتب العليا في وظائف الدولة , حتى أصبح للشيخ صالح اللحيدان عدد من الأسماء في الكليات العسكرية يعطيها من يشاء من أبنائه وأبناء عمومته , لا يضاهيه فيها إلا كبار الأمراء
ليخرج لنا بعد ذلك أبناء الأكرمين على أكتافهم نجوم الضباط العسكرية يترأسون على موظفين هم بأعمار أجدادهم !! ولا أدري هل بقيت امتيازات اللحيدان أم سحبت منه بعد خروجه عن النص في حادثة المسعى ؟!

ومن بعد كل هذا يأتون يدرسوننا الطحاوية والواسطية , ويحذروننا من الجهمية ومن بشر المريسي , وكأن المريسي تاجر أسهم ذو نفوذ واسعة , قد سرق الشعب في سوق للتداول ! ويحاكمون التاريخ والأموات بكل بسالة , وتعقد لهذه المحاكمات شتى الدروس العلمية في المساجد وتدرس كتب العقائد التي يذكر فيها ما ليس موجودا في واقعنا وقد انتهى منذ قرون لا لزيادة العلم لدى التلاميذ , ولكن لإبعادهم عن ساحة الإصلاح الحقيقة .. وتستمر هذه الأسطوانة المشروخة في ترديد الموال نفسه , ونستمر نراوح في مكاننا في آخر القائمة لا دين ولا دنيا ولا حقوق لنا ولا رأي نستطيع أن نقوله بحرية لنخفف به من معاناتنا , وإذا سألنا المشايخ عن حقوقنا .. لم يعد هناك إلا قولٌ فقهي واحد ” أصبر وأحتسب ” ويروعوننا أن خرجنا عن أقوالهم شبراً أن نموت ميتةً جاهلية !
لكل الذي ذكرت والذي لم أذكر ويعرفه الجميع يجب علينا أن نعلم أن مستقبلنا في أيدي غير أمينة , بل إن المشايخ الموجودين على شرفات القصور الملكية الباذخة هم عائق في طريق الإصلاح , بل وأكبر عوائقه , فالإصلاح يعني لهم نهاية الامتيازات , والإصلاح بمعناه الحقيقي لا يصنعه إلا العلماء الصادقين الذين لا يخافون في الله لومة لائم , الباحثين عن رضى الله لا رضى الحاكم والمناصب الرفيعة , ولذا فنحن أولى بالشك من إبراهيم , فيجب علينا ألا نثق بعالم من العلماء , حتى نرى قوله عندما يفترق الخط السياسي والديني , ولا يبقى إلا خياران إما رضى الله أو رضى الحاكم .. أما علماء محاكمة التاريخ , وملاسنة الرموز الليبرالية لدينا .. فللأسف فقد أصبحوا غير صالحين للاستعمال الواقعي !
أن الأذى رفيق كل مصلح كما يخبرنا بذلك التاريخ , وليست القصور والمناصب المرموقة ,
ويكفينا أن نعلم أن مالكاً رحمه الله كان يقول حينما أوذي وامتحن (لا خير فيمن لم يصبه في هذا أذى ) وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول (ما أغبط أحدا لم يصبه في هذا الأمر أذى ) ويقصدون فيه الأذى من الحاكم بسبب القيام في وجهه بالحق !!لأن الحق لايرضيهم كم قال المثنى بن حارثة رضي الله عنه للرسول صلى الله عليه وسلم “إن ماجئت به يامحمد مماتكرهه الملوك ! “

بقلم الأستاذ ابراهيم النوفل


2 من التعليقات لـ “تشريع الانحراف السياسي ..”

  1. المجاهد قال:

    كلام جميل يحوي الكثير من المصداقية و للأسف !!

  2. tariq قال:

    السلام عليكم
    مقال جمع فاوعى … ودلل بكل وضوح على مالم بنا وما نحن فيه
    فما من حاكم الا وله حاشيتان … حاشية تمدح واخرى تقدح ”

    وها نحن نتمزق ما بين هولاء وهؤلاء …

    شكراً لهذا الاختيار الموفق

إكتب تعليقك