أعجب ممن يسوغ منع الهبدان من الكتابة ، ففي كل الاحتمالات والتكييفات لا يجوز تقييد حرية التعبير عن الرأي باتصال هاتفي أو سلطة غير مختصة
القانوني بدر الجعفري
الغالبية العظمى منا تتفق على أن كل انسان بالغ عاقل، حر في أن يكتب ما يشاء متى شاء، وأن يقول ما يشاء متى شاء، لأن هذا حق أساسي فطري الكل يتفق عليه دون تفكير أو مراجعة، بشرط أن كلام الشخص لا يتعدى على حرية الآخرين ولا يؤذيهم بطريقة من الطرق، والا لحقّ لهم حينها أن يحاكموه بالطرق المتعارف عليها، إما بتقديم شكوى للسلطات المختصة، أو رفع دعوى قضائية، أمّا أن يأتي شخص ما ذا سلطة نافذه ويأمرني – مثلًا أو يأمرك أنت قاريء السطور – بأن نصمت عن الحديث بالشأن العام، لأن كلامنا لا يعجبهم – دون أن يكون هناك سبب آخر- وليس على هواهم، فهل ستقول سأطيع وسأمتثل للقرار وهذا من حق هؤلاء النافذين أن يمنعوني أن أعبر عن رأيي وأقول ما أريد ولو رأوه رجعيًا ويخالف رؤاهم، أو أنك سترفض وحينها تعلم جيدًا ماذا سيكون حالك عليه !
هذا ما حصل مع الدكتور محمد الهبدان الذي تلقى مكالمه قبل الأمس، يخبرونه فيها بأن يصمت عن الحديث في الشأن العام، هكذا بكل بساطة في عام 2011 تخيل أن يحدث هذا على مرأى من العالم وسمعه وبصره، يأمر شخص ما بأن يسكت، وكأننا في القرون الوسطى لا يوجد شريعة ولا قانون الا قانون الغاب، الغلبة للأقوى، الأقوى الذي يمكنه بمكالمة أن يسكت شخص خلقه الله حر نفسه، ويمنحه دليلًا يتصفحه مكتوب به بما يمكنه الحديث عنه وما لا يمكنه الحديث، ومتى يمكنه التنفس ومتى لا يمكنه التنفس، أي عبث وبلطجيه تمارس أمامنا ونصفق لها ونحن من نتشدق بالحرية وبقوانين حقوق الانسان، فقط لأن هذا الشخص يخالفنا، نشرعن ونتحجج بأن من حقهم اسكاته لأن كلامه يزعجنا!!
أي عبث يحدث ! أن يُأمر شخص ما بالصمت لأن شخص ما أقوى منه ولديه نفوذ وقوة تمكنك من ارغام هذا الشخص على الصمت، ومن أجل ماذا؟! هل فكره يهددكم لهذه الدرجة، هل أفكاره التنويرية تخيفكم، هل تخشون إلى هذه الدرجة من كلماته التي تزلزلكم، أي عصر نعيش؟! وأي كبت يحدث؟! وأي ظلم نقرُّه ونصفق له؟! وأي انحطاط أخلاقي يمارسه البعض بإستعداء السلطة على مخالفيه، وكأن الكون يجب أن يكون متمحورًا حول فكرنا وأرائنا وتيارنا ومجموعتنا وعلى البقية أن يتبعونا ولا يخرجوا عن دائرتنا، والا فالنافذين لك بالمرصاد، سيجعلونك تابعًا رغمًا عنك، كالنعجة تقاد دون أن يكون لك حق القرار أو التفكير أو الخلاف !!
أفكر بصدق فيما بيني وبين نفسي، أي حوار أديان ننادي به؟ ونحن نغفل عن أن ننادي بحوار بين التيارات المختلفة، وبين أطياف الشعب، التي تستعدي بعضها على بعض، وتستجدي بعصا السلطة كي تخرس الأفواه، نؤمن باختلاف الأديان، ولا نؤمن باختلاف الآراء ؟!
أقر أن أراء الهبدان لا تعجبني ولا أتقبلها والكثير مثلي ونحن ندفعها ونفندنها في حواراتنا معه، والكثير يقوم بهذا الدور، هم بمنعه من الحديث يصورون أراؤه بشكل أكبر مما هي عليه، يجعلون المسألة تحتمل بعدًا أكبر مما تحتمله، المسألة أبسط من هذا، ليس كون هذا الشخص اسلاميًا وأراؤه في نظر البعض رجعية ومتخلفة تمنحهم الحق بأن يسكتوه، فهو له أتباع ومريدين وأناس يرون بمثل رأيه لكن ليس لهم الجرأة ليصدحوا بما يصدح ويقولوا بما يقول، أقله هذا الشخص ليس متلونًا ولا منافقًا ويقول ما يؤمن به بغض النظر عن صحته، وأراؤه ثابتة لا تتغير كما بعض من تكشفت أقنعتهم بعد قرار الملك الأخير، أنا أحترمه وجدًا أكثر من كثير من منافقي السلطة.
اذا كان الشيخ الهبدان قد مارس – مثلًا – موقفًا عنصريًا أو تحريضيًا أو متجاوز فلتروني حجتكم بالقانون وليس بسلطة فرد، هذا لا يعقل ولا يصح أن نقبله ونشجع عليه، إذا أردنا السيادة لدولتنا ولقانونها، نحن لسنا في الغاب بل في دولة يحكمها قانون وشرع، إن كانت جريرة الهبدان الكبرى أنه أعترض على قرار الملك بتعيين المرأة في مجلس الشورى، هذا رأيه ببساطة، ليس بيده سلطة سوى أن يعبر عن رفضه، وفي النهاية سيذهب رأيه أدراج الرياح لأن لا رأي سوى رأي الملك، هذه الأفكار التي نرى بخطئها حينما نعتقلها فنحن نحررها ونطلقها أكثر، منع الشخص من قول أرائه لا يعني موت فكره وصمته، بل يعني أن هذا الشخص سيجد طريقة أخرى يعبر فيها عن رأيه، وبالطبع طريقة ليست في صالح المجتمع، لأنها طريقة ستولد تحت القهر والاجبار وفي الظلام، لذا حرروا قلم هذا الرجل وأمنحوه حقه في الكتابة والتعبير، فهذا أبسط حق من حقوقه كانسان، بدلالة القوانين الوضعية والشرعية، فإن كان قدوتكم الغرب فهم يسمحون للمتطرفين الاسلاميين والذين يرون بجواز التفجير في الكفار، ويدعمون التفجيرات التي حصلت بها، بالتعبير عن أرائهم في قعر دارهم ويحاكمونهم بالقانون، ثم يحكمون لصالحهم بكل تجرد وحياد، وإن كان قدوتكم الكتاب والسنة فربنا الكريم حرر الانسان من عبودية البشر وأكرمه بحريته في أن يقول ما يريد ويفعل ما يريد، بشرط أن لا يودي بنفسه إلى التهلكة، الجدير بذكره أن الهبدان قد منع من الخطابة، أغلق موقعة الألكتروني، أوقفت رسائله (نور)، أغلقت قناته (الأسرة)، منع من الكتابه، وما خفي الله عالم به
وقبل أن أختم المقال هناك عدة دروس يجب أن نتعلمها مما حصل مع الهبدان ففيها عبرة لمن يعتبر :
- أدعياء الحريه المفصله تفصيل دقيق عليهم فقط وانكارها على غيرهم، سقطت أقنعتهم ويجب عليهم أن يخجلوا من أنفسهم، فالحرية كل لا يتجزأ، الحرية لم تخلق لتيارك وأصحابك وتمنع عن مخالفيك
- الايقاف غير القانوني للهبدان، والذي تصفق له تأكد أنك لست في منأى ومأمن عنه ما دام لم يتم بالقانون
- إستعداء السلطة على مخالفيك انحطاط أخلاقي، ويجب أن تعالج نفسك من هذه العادة السيئة
- لا تكن بيدقًا للآخرين يحركونك به ويشحنونك من أجل أن تتحدث نيابة عنهم، حتى اذا سقطت في ضائقة ما ستجد أن من كان يستخدمك هو أول من تخلى عنك
- دولة الحقوق والمؤسسات هي الحل
دمتم بحرية وبدولة يحكمها القانون لا أهواء البشر


























































